الضرائب المرتفعة على العملات المشفرة في الهند تثمر عن نتائج سلبية: هروب معاملات بقيمة 42 مليار دولار، ونظام الضرائب يواجه خطر الانهيار

وزارة الضرائب الهندية، ووحدة المعلومات المالية، ودوائر الضرائب أصدرت خلال جلسة استماع برلمانية تحذيرات شديدة: إن سرية العملات المشفرة وخصائصها العابرة للحدود تجعل من الصعب تتبعها وفرض الضرائب عليها بشكل فعال، مما يشكل تحديًا خطيرًا لنظام إدارة الضرائب الوطني. وفي الوقت الذي أُطلق فيه هذا التحذير، تنفذ الهند أحد أكثر أنظمة الضرائب على العملات المشفرة قسوة في العالم (30% ضريبة أرباح رأس المال بالإضافة إلى 1% ضريبة مصدر)، مما أدى إلى تجاوز حجم المعاملات 420 مليار دولار وفقدان حوالي 42 مليار دولار من الإيرادات الضريبية إلى منصات خارجية.

ومع اقتراب الإعلان عن الميزانية الجديدة في 1 فبراير 2026، تدور في أكبر سوق عالمي يضم بين 1 و1.5 مليار مستخدم للعملات المشفرة، معركة تنظيمية بين تطبيق القوانين الصارمة وجذب الامتثال.

تحذير البرلمان: التدفقات العابرة للحدود المجهولة تمثل نقطة ضعف إدارة الضرائب

في 7 يناير 2026، عقدت لجنة المالية الدائمة في البرلمان الهندي جلسة استمرت قرابة ثلاث ساعات، كشفت عن مخاوف عميقة داخل الجهات التنظيمية في البلاد. قدمت وزارة الضرائب الهندية، بالتعاون مع وحدة المعلومات المالية ودوائر الضرائب، تقريرًا بعنوان «دراسة الأصول الرقمية الافتراضية ومسارات المستقبل»، وكانت النتيجة صادمة: خصائص العملات المشفرة الفريدة تجعلها ثغرة يصعب سدها في نظام إدارة الضرائب.

اعترف المسؤولون أمام المشرعين بأن العملات المشفرة تتيح تحويل الأموال بشكل مجهول عبر الحدود خلال ثوانٍ، وغالبًا دون المرور بالبنوك أو وسطاء خاضعين للتنظيم. هذه الخاصية تجعل من الصعب على السلطات تتبع المالك الحقيقي للأصول وتحديد الالتزامات الضريبية. تتركز المشكلة بشكل رئيسي في ثلاثة مجالات يصعب الوصول إليها: البورصات الخارجية، المحافظ الخاصة، ومنصات التمويل اللامركزية. عندما يستخدم المستثمرون منصات خارجية غير مسجلة لدى وحدة المعلومات المالية الهندية، تكون قدرة السلطات على الحصول على المعلومات أو إصدار الإشعارات القانونية محدودة للغاية. كما أن المعاملات بين المحافظ الخاصة، التي لا تتطلب خدمات مركزية، تزيد من صعوبة ربط عناوين المحافظ بالهوية الحقيقية، خاصة عند انتقال الأموال بين شبكات بلوكشين مختلفة.

وقد كشف مصدر داخلي مطلع على محتوى الاجتماع لوسائل الإعلام عن صراع أعمق قائلاً: «تريد وزارة المالية كبح الأنظمة اللامركزية التي تركز على الخصوصية، والمنصات الخارجية». لكن، هذه الخصائص هي جوهر فلسفة تصميم العملات المشفرة. ويبرز ذلك تناقضًا هيكليًا: نظام ضرائب تقليدي يعتمد على السيطرة المركزية والتعرف على الهوية، يحاول تنظيم فئة أصول ناشئة تعتمد على اللامركزية والهوية المجهولة. هذا «عدم التوافق الهيكلي» هو الجذر العميق للتحديات التي تواجهها دائرة الضرائب الهندية.

رد الفعل القاسي: تدفقات بقيمة 420 مليار دولار تهرب وخسائر في البيئة المحلية

ومن المفارقات أن الأزمة التي تواجهها دائرة الضرائب الهندية حاليًا، إلى حد كبير، ناتجة عن سياساتها نفسها. فالهند تملك أحد أكثر أنظمة الضرائب على العملات المشفرة قسوة في العالم، لكن هذا النظام لم ينجح في جمع الضرائب بشكل فعال، بل أدى إلى طرد العديد من المعاملات والإيرادات الضريبية إلى الخارج، مما يمثل ظاهرة رد الفعل السيئ للسياسات.

دعونا نحلل بالتفصيل قواعد «الضرائب الثقيلة على التشفير»: يتعين على المستثمرين دفع ضريبة أرباح رأس المال بنسبة تصل إلى 30%، ولا يمكن خصم خسائر العملات المشفرة من الأرباح، ولا يمكن خصم أي مصاريف غير تكلفة الشراء الأصلية، كما أن الخسائر لا يمكن ترحيلها إلى السنوات التالية. والأكثر من ذلك، أن كل معاملة تتجاوز 10,000 روبية هندية (حوالي 115 دولارًا) يجب أن تُخصم منها 1% ضريبة مصدر. بالإضافة إلى ذلك، تفرض ضرائب إضافية بنسبة 4%، وضرائب على رسوم المعاملات بنسبة 18%، مما يجعل العبء الضريبي الإجمالي على كبار المستثمرين يصل إلى 42.7%.

بيانات وتأثيرات النظام الضريبي الصارم على العملات المشفرة في الهند

  • معدل ضريبة أرباح رأس المال: 30% ثابت.
  • الضرائب عند المصدر: على كل معاملة تتجاوز 10,000 روبية هندية (حوالي 115 دولار)، يُخصم 1% ضريبة.
  • العبء الضريبي الإجمالي: بعد الضرائب الإضافية، قد يصل إلى 42.7% لبعض المعاملات.
  • تدفقات المعاملات للخارج: من يوليو 2022 إلى يوليو 2023، تجاوزت المعاملات على منصات خارجية 420 مليار دولار، أي أكثر من 90% من إجمالي معاملات المستخدمين في الهند.
  • خسائر المنصات المحلية: هبوط المستخدمين، التنزيلات، وحركة المرور على الشبكة بنسبة 74%.
  • خسائر الإيرادات الضريبية: تقدر الحكومة أن فقدان الضرائب بسبب تدفقات المعاملات للخارج بلغ حوالي 42 مليار دولار.

وكانت النتائج فورية ومذهلة. خلال سنة من يوليو 2022 إلى يوليو 2023، تجاوز حجم معاملات المستثمرين الهنود على منصات خارجية 420 مليار دولار، وهو أكثر من 90% من إجمالي المعاملات. في الوقت نفسه، انخفض عدد المستخدمين، والتنزيلات، وحركة المرور على المواقع الإلكترونية للمنصات المحلية بنسبة 74%. وتقدّر الحكومة أن هذا الهروب الرأسمالي أدى إلى خسارة ضريبية تقدر بـ 42 مليار دولار. هذا النظام الضريبي، الذي كان يهدف إلى زيادة الإيرادات الحكومية وكبح المضاربة، أدى بشكل غير متوقع إلى تدمير القطاع المحلي الممتثل، وترك السوق للمنصات الخارجية غير المنظمة، وجعل الدولة في وضع أكثر ضعفًا في إدارة الضرائب. وعلق رئيس اتحاد البلوكشين الهندي والمدير التنفيذي راج كابور على ذلك قائلاً إن هذا النهج «لا يشكل إطار سوق متماسكًا، بل يخلق جوًا من الخوف، ويعجز عن توفير الوضوح، وحماية المستثمرين، أو الإشراف المنهجي».

تطبيق القانون القوي والحرب التكنولوجية: لعبة القط والفأر بين الطرفين

في مواجهة تدفقات المعاملات وخسائر إدارة الضرائب، لم تكن استجابة السلطات الهندية تسوية، بل أطلقت حملة تنفيذ قوية غير مسبوقة، مسلحة بأحدث التقنيات. أطلقت هذه الحملة، المسماة NUDGE، بهدف توجيه وتنظيم سلوك دافعي الضرائب عبر استخدام البيانات بشكل غير تدخلي، وتُعد من الأكثر دقة وتطورًا في تاريخ الضرائب.

أرسلت لجنة الضرائب المباشرة أكثر من 44,000 إشعار للمستثمرين غير المبلغين عن معاملات العملات المشفرة. يستخدم النظام تحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، وتبادل البيانات الدولي وفقًا لإطار عمل «تقارير الأصول الرقمية»، لمقارنة البيانات المقدمة من البورصات مع إقرارات الضرائب تلقائيًا. وإذا كانت هناك فروق تتجاوز 100,000 روبية هندية (حوالي 1,200 دولار)، يُرسل النظام إشعار استجواب تلقائيًا. حققت هذه «الضرائب التكنولوجية» نتائج ملحوظة: في السنة المالية 2024-2025، تم اكتشاف 8.8882 مليار روبية هندية (حوالي 99.9 مليون دولار) من أرباح العملات المشفرة غير المبلغ عنها داخليًا، و10.89 مليار روبية هندية من الدخل غير المعلن من العملات المشفرة الخارجية، و6.3 مليار روبية هندية (حوالي 72 مليون دولار) من الأصول المختفية داخل البلاد.

وكان ذروة عمليات التنفيذ التحقيق في معاملات أحد أكبر البورصات العالمية، Binance. في أكتوبر 2025، بدأ التحقيق مع أكثر من 400 تاجر ثري يُشتبه في استغلال Binance لإخفاء أرباحهم بين 2022 و2025. وكان الاختراق عندما أُجبر Binance على التسجيل لدى وحدة المعلومات المالية الهندية بعد دفع غرامة قدرها 2.25 مليون دولار في أغسطس 2024. وبمجرد التسجيل، أصبح عليها قانونيًا تزويد السلطات الهندية ببيانات المستخدمين. أدى هذا التحول إلى كشف العديد من المتداولين الذين اعتقدوا أن نشاطهم في الخارج يضمن لهم الحصانة. حذر خبراء الضرائب من أن «قانون غسيل الأموال» قد يفرض غرامات تصل إلى 300% من الضرائب المستحقة، وحتى ملاحقة جنائية. كما أوقفت السلطات أو صادرت أصولًا مشفرة بقيمة 41.8989 مليار روبية هندية (حوالي 50 مليون دولار)، واعتقلت 29 شخصًا، ورفعت 22 دعوى جنائية.

هل ستكون ميزانية 2026 نقطة تحول في السياسات؟

تتجه الأنظار الآن نحو الميزانية الفيدرالية التي ستُعلن في 1 فبراير 2026، والتي ستشكل المؤشر الأهم لمستقبل سياسة الهند تجاه العملات المشفرة. بدأ مجلس الضرائب المباشرة في التشاور مع شركات القطاع، لدراسة احتمالات إصلاح الضرائب.

يأمل ممثلو الصناعة بحذر. يركز مطالبهم على نقطتين رئيسيتين: أولاً، خفض ضريبة المصدر من 1% إلى مستوى رمزي مثل 0.01%؛ ثانيًا، السماح بمطابقة الأرباح والخسائر بين الأصول المشفرة، أي استخدام خسارة أصل لخصم أرباح أصل آخر، واحتساب الخسائر للسنوات القادمة. تعتبر هذه التعديلات أدنى متطلبات لاستعادة القدرة التنافسية للسوق المحلية. ومع ذلك، فإن التحذيرات الصارمة في جلسة الاستماع البرلمانية الأخيرة تشير إلى أن تركيز الجهات التنظيمية قد يظل على تعزيز تطبيق القوانين بدلاً من تشجيع التوجيه. وأكد المسؤولون أنهم يخططون لمواصلة الضغط على المنصات، وتشديد متطلبات التقارير، وزيادة الرقابة على الأنشطة الخارجية.

أما التحدي الأعمق فهو الاختيار الاستراتيجي للهند. فقد أكد المسؤولون مرارًا أن الأولوية هي تطوير «الروبية الرقمية المدعومة من الاحتياطي الهندي»، وليس تبني الأصول المشفرة الخاصة. قال وزير التجارة والصناعة بيوش جويال في أكتوبر الماضي إن أحد أهداف الضرائب المرتفعة هو منع المستخدمين من «الاحتجاز» في أصول مشفرة غير مدعومة. يكشف ذلك عن مأزق الهند: فهي تريد فرض الضرائب على اقتصاد التشفير المزدهر، وفي الوقت ذاته، تظل حذرة من المبادئ الأساسية والمخاطر المحتملة، وتدفع بقوة نحو عملة رقمية للبنك المركزي. وأشار راج كابور إلى المخاطر طويلة الأمد قائلاً: «المخاطر الأعمق تكمن في أن استمرار المعارضة، إذا لم يقترن بتنظيم متوازٍ، سيدفع الابتكار ورأس المال والموارد البشرية إلى الخارج، مما يجعل الهند مجرد مستهلك ومحصّل ضرائب، وليس جهة تنظيمية».

دروس من العالم: تجارب الهند في تنظيم العملات المشفرة

لا تقتصر مشكلة الهند على ذاتها، بل تمثل نموذجًا متطرفًا لمدى التحديات التي تواجهها الدول في تنظيم الضرائب على العملات المشفرة. وتقدم تجربتها دروسًا مهمة للمراقبين العالميين.

أولاً، أثبتت الحالة الهندية أن السياسات الضريبية القاسية والسطحية قد تفشل تمامًا في عالم يتسم باللامركزية. عندما يمكن لرأس المال أن يتنقل بسرعة فائقة وبتكاليف منخفضة عبر الحدود، فإن فرض ضرائب عالية فقط يدفع الأنشطة إلى المناطق التي لا تصلها أذرع التنظيم، مما يؤدي إلى تآكل القاعدة الضريبية وفقدان الإيرادات. لذلك، يجب أن تكون السياسات الضريبية والتدابير الإدارية أكثر مرونة، مع التركيز على القدرة على إدارة الأصول الرقمية ذات التدفق العالي.

ثانيًا، تعتبر الأدوات التكنولوجية والتعاون التنظيمي عناصر حاسمة، لكنها ليست الحل السحري. فمشاريع مثل «洞察项目» واستخدام CARF لمشاركة البيانات الدولية تمثل قمة التطور في إدارة الضرائب، لكن، كما يعترف المسؤولون، لا تزال هناك فجوات يصعب سدها، خاصة مع منصات خارجية ومحافظ خاصة وبروتوكولات التمويل اللامركزي. لذلك، يجب أن يعترف الإطار التنظيمي المستقبلي بهذه المناطق الرمادية، ويبحث عن طرق لتحفيز النشاطات التي يمكن تنظيمها، عبر تقديم حوافز أو سياسات تشجيعية، بدلاً من محاولة السيطرة على كل شيء بشكل كامل.

ثالثًا، تبرز معاناة الهند أهمية التعاون الدولي في تنظيم الضرائب على العملات المشفرة. فنجاح التحقيق مع Binance، الذي استند إلى التزامها بالتسجيل وتبادل البيانات، يوضح أن التعاون بين الدول هو الأساس. ومن المتوقع أن تتطور آليات تبادل المعلومات متعددة الأطراف، وتوحيد معايير تنظيم المنصات، لتشكيل شبكة عالمية فعالة لضريبة العملات المشفرة. وإلا، فإن التهرب الضريبي سيظل قائمًا، وستظل الهند تواجه تحديات في حماية القاعدة الضريبية، مع استمرارها في أن تكون سوقًا استهلاكية أكثر منها جهة منظمة.

DEFI9.96%
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • تثبيت